أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
135
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
السياسي ، وكان الشيخ يعتبر أنّه في أفضل الأحوال إصلاحي يطالب بإصلاح الدولة من داخل ، وقد فهم من جوابه أنّه يفضّل اتّجاهاً آخر « 1 » . تقول والدة السيّد الصدر : إنّها « لمّا رأت هذا النبوغ وهذه العبقريّة المبكّرة لفتاها ، تفتّق الأمل في نفسها عن طموح مشرق لمستقبله ، فهو ما دام قد حباه الله بهذا التفوّق فلسوف يكون نعم من يحيي سيرة أجداده ، ورأت فيه خير امتداد لسلسلة من الأسماء اللامعة المباركة ، التي حلّقت في سماء الفقاهة والمجد تاريخاً ممتدّاً . وصارت تشجّعه على الاستعداد للتوجّه إلى النجف الأشرف للالتحاق بركب العلماء من أجداده وأسلافه . . ولكن في هذه الفترة أيضاً ، والفتى كان بين ربيعه العاشر والحادي عشر ، وُجد في أوساط الأهل اتّجاه آخر يغذّيه قريبهم الوجيه السيّد محمّد الصدر ، رئيس وزراء العراق الأسبق ، الذي صار يأمل في السيّد الشهيد أيضاً أن يكون له شأنٌ كبير ومؤثّر في مستقبل العراق ، بعدما عرف منه ذلك التميّز ، وسمع ورأى بنفسه كثيراً من مظاهر النبوغ والعبقريّة من الصبي ، فكان يغتنم الفرصة للحديث معه كلّما جمعه به مجلس ، بل صار يدعوه للذهاب معه إلى مزرعته خارج بغداد ، ويصطحبه معه على صهوة جواده ، فيحادثه ويمنّيه لتشجيعه ودفعه لمواصلة الدراسات الأكاديميّة المتخصّصة ، ووعده بالدّعم والتأييد ، وتهيئة الفرص له ليتسنمّ أعلى المراتب العلميّة والاعتباريّة في العراق . ولكنّ الشهيد - تقول أمه - : إنّه كان على حداثة سنّه راسخ الفكرة واضح الاتّجاه ، فكان يجيب على ذلك الرجل الكبير والمحسن الكريم : إنّ الاتّجاه إلى الحوزة العلميّة هو خياره واختياره ، على الرغم من أنّه كان يعي تماماً الضائقة الماديّة التي كنّا نعيشها ، ويدرك أنّه لو اتّجه إلى الخيار الآخر ، فإنّه سيتمكّن من رقبة الدنيا ، وسيأخذها عريضة بكلتا يديه » . وتكمل والدته : « إنّ لكلا هذين الاتّجاهين - في محاولة رسم مستقبل الفتى النابغ - كان هناك أنصارٌ ومؤيّدون لكلّ واحد من الخيارين المذكورين في أوساط أفراد الأسرة والأقارب والمحبّين . ولكنّ الشهيد قد حسم خياره مبكّراً ، وبدأنا نرى منه بعض التصرّفات أو نسمع منه تركيزاً على بعض الكلمات التي يشير من خلالها إلى ذلك الحسم والعزم والإصرار على ما اختار . ولن أنسى تلك الأيام التي رأيناه فيها قد غيّر من سلوكه الغذائي ، فقد مرّ عليه يومٌ لم يتناول فيه شيئاً من الطعام ، عدا قطعة جافّة من الخبز مع شيءٍ من الماء طوال يومه . فسكتُّ أنا أمُه على مضض ولم أكلّمه ؛ لأنّي أعرف ولدي أنّه إذا صمّم على شيء ، فإنّي أوّلًا أثق في حكمته على صغر سنّه ، ثمّ إنّي كنت أيأس من محاولة صدّه عمّا يعزم عليه ، ولكنّي ازددت قلقاً عندما كرّر نفس السلوك في اليوم الثاني . وهكذا انصرم اليوم الثالث على نفس المنوال ، ولعلّ الرابع كذلك أيضاً ، حتّى أثار انتباه المحيطين ودهشتهم . وسرى النبأ عند الجميع الذين كانوا يتلهّفون لسماع أخباره ويراقبونه ، ويأملون فيه الكثير ، ولكنّ مثل هذا التصرف لم يكن ليرضي أحداً خوفاً على سلامته ، مع أنّه كما قدّمت لم يكن يخلو عادةً من الأسقام والعلل . ولمّا تكرّر عليه السؤال القلق عن هذا العزوف عن الطعام ، وهذا التصرّف الذي اعتبره البعض إيذاءً لنفسه ؟ برّر الفتى ذلك التصرّف حين واجهناه محتجّين على مسلكه المؤذي - في نظرنا ، أجاب قائلًا : ( إنّ من
--> ( 1 ) مقابلة ( 2 ) مع الشيخ علي كوراني .